بقلم د. يونس بقَـيان
من جبال صنهاجة السراير بزغ نجمُ عالمٍ لم يزدد باليتم إلا طموحًا، وبالتغرب إلا رسوخًا. حمل القرآن في صدره سراجًا وهّاجا، واتّخذه إلى الحقِّ مِعراجا. وجاب الحواضر والبوادي يقتفي أثر العلم ليفتح للقلوب المقفلة رتاجا؛ فأقام للدين في النّفوس أبراجا، حتى غدا صوته الشجيُّ الجهوري جزءًا من ذاكرة ترﯕـيست يُزيل عن الفهم لجاجا، فاستحق لقب «السِّي أحمد الخطيب» بمنحه القلوب ابتهاجا.
وإذا كانت منابر جبال الريف وسهوله شاهدةً على فصاحتهِ وبلاغة كلمته، فإنَّ له في قلوبِ الراكعين والساجدين صدىً لا يغيب، وفي أقسامِ مدرسةِ الإمامِ ورشٍ غراسٌ يانعةٌ تؤتي أكلها طيِّبًا مُستطابًا ما تعاقبَ الليلُ والنهارُ وأرسلَ الغمامُ السحاب. فمَن هو السِّي أحمد الخطيب؟
اسمه ومولده ونشأته:
هو أحمد بن عبد السلام بن أحمد الزّرقتي التّرْﯕـيستي(1).
فالزّرقتي: نسبة إلى قبيلة زَرْقَتْ بصنهاجة السّراير.
والتّرْجيستي أو التّرﯕـيستي: نسبة إلى تارﯕـيست (أولاد عبد الرحمن سابقًا).
ولد بتاريخ 1374هـ، موافق 1954م في دوار إخَرُّوذَن من قبيلة زَرْقَت، وبها نشأ يتيمًا، فحفظ القرآن الكريم في مسقط رأسه بمسجد مولاي مفتاح، ثم انتقل إلى دوار سيدي الوافي لتصحيح رسم القرآن الكريم وإتمام ضبطه على الفقيه أحمد بن الحاج علي، بالإضافة لحفظ المتون. ومنه انتقل إلى دوار امطار من القبيلة نفسها ليدرس على الشيخ أحمد المخلوفي. ثم إلى بني بونصار ليتوّج هذه المرحلة بحفظ القرآن الكريم.
طلبه للعلم:
وبعد أن أتقن حفظ القرآن الكريم رحل إلى بني جُرْفَطْ بإقليم العرائش ليدرس العلوم الشرعية والعربية رفقة زميله محمد بن محمد أبْجَاوْ. وفي عام 1973م انتقل مع رفقيه إلى ناحية فاس تحديدًا لدوار الوَلْجة بـ اشْرَاﯕـة ليدرسا على الفقيه أحمد البُوجَدّيْني أحد علماء القرويين. كما ورد في شهادة الأستاذين الأحْمدين: أجْزَنّايْ، وبوفراقش.
وحسب رواية وَلَده طارق، فإنّ المترجَم حفظ القرآن الكريم بضواحي العرائش تحديدًا بأربعاء العياشة وعمره نحو ثمانة أعوام، ثمّ انتقل إلى شَفْشاون ليتم حفظ القرآن الكريم بها قبل أن يعود لدوار بَلّحْكِمْ بقبيلته زَرْقَت. ومنها رحل إلى الجزائر.
حياته المهنية:
لما أكمل دراسته، رجع لمسقط رأسه فعمل خطيبًا في مسجد ترﯕـيست المركزي وواعظًا بمساجدها، بعد أن مثُل أمام أعضاء اللجنة العلمية المكلفة بتزكية الأئمة بالمجلس العلمي الإقليمي للناظور والحسيمة بتاريخ 31 مارس 1994م. فذاع صيته واشتهر أمره بما آتاه الله من فصاحة اللسان، وبلاغة في التّبليغ والبيان، وعذوبة في الكلام مع صوت جهوي شجي، حتى أصبح يُعرف بين الناس في ترﯕـيست بـ«السِّي أحمد الخطيب».
ثم عُيِّن عضوًا بالمجلس العلمي المحلي للحسيمة، فكان عطاؤه من داخل مؤسسة علمية دستورية. هناك، جمعتْني به الأقدار وتعرفتُ عليه مع ثلة آخرين من الأفاضل، فخَبِرنا فيه رجلًا صدوقًا، يطابق قوله فعله، ويترفع بسَمْته عن فضول الكلام، مُشرقَ الوجهِ، دائمَ التبسمِ، قريبًا من القلوب، يَألفُ ويُؤلَف.
فأسهم في برامج لجنة التوعية والإرشاد الديني، ولجنة الدراسات والأبحاث والتكوين، كما عمل عضوًا في لجنة تأهيل الأئمة، بالإضافة إلى مهمات أخرى وأنشطة إشعاعية ومحاضرات، ودورات تكوينية.
وعلى صعيد خدمة القرآن الكريم، تضافرت جهوده مع ثلة من الغيورين على المنطقة وأبنائها لافتتاح كُتّابٍ قرآني بالمسجد المركزي بـترجيست عام 1998م. ولم يقتصر عطاؤه على ذلك، فكانت له بصمة لا تُمحى في تشييد «مدرسة الإمام ورش للتعليم العتيق بترجيست» مع فضلاء آخرين. فظلّ وفيًّا لها، باذلًا وسعه في رئاسة جمعيتها، وتدريس طلبتها، جامعًا بذلك بين التربية والتّعليم والإدارة.
وفاته:
انتقل إلى رحمة الله تعالى بعد حياة حافلة، قضاها في رحاب القرآن الكريم، داعيًا ومبشرًا وهاديًا، في الحواضر والقرى، صبيحة يوم الجمعة 21 محرم عام 1444هـ، موافق 19 غشت 2022م.
* * * *
(1) أصل المقال نشر في جريدة الشمال، عدد 1357، ماي 2026م.

0 تعليق