رأيك يهمنا

تابعنا

Loading...

آخر المنشورات

زوار الموقع

  • 1
  • 76
  • 44
  • 475
  • 2٬030
  • 271٬233
  • 0

سلسلة أعلام الريف 1: ترجمة الفقيه الزاهد البركة الخطيب أبي فارس عبد العزيز بن محمد البوفراحي (ت899هـ) (1)

بقلم د. يونس بقَـيان

يقول الأديب المؤرخ الصلاح الصّفدي: «التاريخُ للزمان مرآةٌ، وتراجمُ العلماء للمشاركة والمشاهدة مرقاةٌ، وأخبار الماضين لمن عاقره الهموم ملهاةٌ، وقد أفاد حزماً وعزماً وموعظة وعلماً وهمة تذهب همًّا، وبياناً يزيل وهماً، وصبراً يبعثه التأسي بمَن مضى، واحتشاماً يوجب الرضى، بما خفي وجلا من القضاء».([i])

ولأجل هذه الإفادة المرجوة، وهذه العبرة المُسلِية أشارك في هذا المقال أخبارَ ساداتنا وعلمائنا، وفاءً ببعض الدَّين الملقى على عاتق الخَلف؛ دينُ التّعريف بمَن كرّسوا حياتهم وبذلوا مُهَجهم ونفائس أوقاتهم في سبيل إيضاح المُستغلَق على الأفهام، ونشر العلم والمعرفة بين الأنام، فقد عُلِم هذا عنهم، ولأجله استحقوا التعريف والإشادة، ولذلك قال بعضهم: «مَن ورّخ مؤمناً فضلاً عن عالم عامل فكأنّما أحياه، ومَن قرأ تاريخه فكأنّما زاره»([ii]). ووفاء لأهل الفضل، وابتغاءً للأجر والثواب، استفرغت وسعي لأستخرج سِيَرهم بالمناقيش من مصادر مختلفة، ومن غير المظانّ، وخوارج النُّصوص المخطوطة، والوثائق، والرِّوايات الشفوية، ومن أصحابها المعاصرين، وهو أمرٌ عسير لا ينال إلا بوقتٍ طويل وصبرٍ جميل وجُهد جزيل، فقد أتتبّع أثرَ وثيقة وتطول المدّة لأحصل عليها، ثمّ لا أجد فيها ما يُسعِف، وأحيانًا أتتبّع وعودًا قطعها أصحابها على أنفسهم بزكاة ما عندهم من الوثائق، فلا أحصّلها إلا بعد أن أقطع رجائي فيها، وقد يفتح الله ويبعث مَن يجود بوثائق ما كان لي أن نتصوّر وجودها فأكتشف اسم قاضٍ أو عالمٍ أو عدْلٍ ذيّل توقيعَه بها، فيكون فرحي بها أشدّ من فرحي باستكمال ترجمة عالمٍ عُرف اسمه ورسمُه؛ ذلك أنّ إحياء ذكرِ عالمٍ ولو بالاسم -في تقديري- أولى من التّوسع في ترجمة المعروف، وإن كان هذا لا يقلّ أهمية عن ذاك.

اسمه ونسبه:

اخترتُ أن أستفتح هذه السلسلة بذِكر الزّاهد الفقيه، الورع النّبيه، الصّوفي الأنور الأريب، العالم البركة الخطيب: أبي محمد وأبي فارس عبد العزيز بن محمد البوفراحي([iii])، نسبة إلى بني بوفراح بالريف الأوسط. وقد صُحّفت نسبته في بعض المراجع إلى «البوفرجي»، و«البوفرحني»، و«اليوقرجي».

ولد عام خمسة وثمانمائة (805هـ)، غير أن مصادر ترجمته لم تكشف لنا عن نشأته وتعليمه، وبتتبع بعض مؤلفاته تبين أنه أخذ عن والده محمد البوفراحي، وعن أبي الحسن علي الوزروالي([iv]). وأخذ عنه أبو زيد عبد الرحمن بن علي القصري المشهور بسُقّين.

مهامه:

تولى مهمة الإمامة والخطابة في مسجد بني يزناتن([v]) من لمطة حوز فاس، وتفرغ للعلم ونسخ المخطوطات، فقد وقفت على مخطوط نسخه بخطه بالمسجد المذكور بتاريخ 859هـ. ثم تقدم بعدئذ للإمامة والخطابة بجامع القرويين -بعد وفاة عبد العزيز الورياغلي (ت880هـ)- في شوال عام ثمانين وثمانمائة، وكانت أوّل صلاة صلّاها فيه صلاة المغرب. وبقي فيه خطيبًا إلى أن مات، فحُمدت سيرته طويلًا، وكان الثّناء عليه جميلًا؛ أثنى عليه ابن عيشون بقوله: «كان فقيهًا صالحًا ورعًا فاضلاً». وكان الشّيخ زرّوق معاصرًا له، ويقول: «إنه تُغبط الصّلاة خلفَه»، لصلاحه وورعه. ويُروى أنّ إنسانًا وجَده يغسل شيئًا من ثوبه، فسأله ماذا يغسل؟ فقال له: دم البراغيث، فقال له: إنّه لا ينجس، فقال له: إنّ الإمام كشاة الأضحية، يتّقى فيها العيب كلّه.

مؤلفاته:

كنتُ قرأت في كتاب «خلال جزولة»([vi]) للعلامة محمد المختار السُّوسي، وهو يسرد مخطوطات زاوية أزاريف بالسّوس، وذكر مجلّدةً وُسطى تضمّ مؤلفات شتّى تصل إلى اثنتي عشرة رسالة، وذكر منها أربع رسائل للمترجَم، ومن حينه أنقِّبُ وأترقَّبُ الفُرصَة للحُصول على هذا المجموع، حتى عزمتُ على السّفر إلى الزاوية المذكورة ووصلتُ إلى مدينة أكادير، فاستفسرتُ أحد الفضلاء([vii]) عن الطريق المؤدي للزّاوية قَصْدَ سفري إليها لتَصويره، فبشَّرَني بوُجود المجلّدة كاملةً بحوزته مصورةً، وبذلك كفاني تجشّم عناء السّفر، فجزاه الله خيرًا. والمجموع كله بخط العالم السوسي محمد بن أحمد الشّبي، وليس بخط البوفراحي كما ذهب إليه المختار السوسي رحمه الله. ومِن أنفس ما فيه أيضًا «رسالةٌ في الكلام على مُشْكِلِ حديث السُّبُحات والحجاب» للقاضي أبي بكر ابن العربي المعافري (ت543هـ) والتي كانت تعدّ في حكم المفقود([viii]).

وهذه المؤلفات لم تكن تُعرف للمترجَم قبل أن يذكرها المختار السوسي، وما وقفت عليه منها:

  • رسالة في تفسير قوله تعالى: ﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾([ix]).
  • رسالة فيما يُستحسن من تهنئة الأمراء عند القدوم من السَّفر([x]). في سبع لوحات. جاء في بدايتها بعد الحمدلة والتّصلية: «وبعد، أيها الأخ الصالح السائل عمَّا ينفعنا وإياه من المصالح، فإنا سائلون من الله تعالى أن يرزقنا الفهم عنه، والتّلقي منه، إنّه ذو فضل عظيم…». انتهى من تأليفها في ذي الحجة عام خمسة وتسعين وثمانمائة.
  • تعريف المريدين لطريق التوفيق والخذلان وتعاطي كل ما فيه استعاذة والبعد عن الشنآن. في تسع عشرة لوحة. جاء في بدايته بعد الحمدلة: «فإنَّ سائلاً سألني عن علامة التّوفيق، وعلامة الخذلان، وكيفية التّرقي لما يفتح الله على بعض أوليائه، مما أناب إليه، وهو في أكثر أوقاته يقظان، حتى إنه ربَّما سمع منه كلامٌ ظنَّ به من سمعه أنَّ ذلك لا يكون في هذا الزَّمان، فإن تيسّر عليك يا سيدي أن تشير لنا إلى تلويحاتٍ من طريق القوم نستدل بها على ذلك، حتى يكون كالتفسير والتّبيان…».
  • الأمر المهم الأكيد فيما يلزم الإنسان من حسن الجواب والتسديد. في ثلاث لوحات، غير كامل. جاء في بدايته بعد الحمدلة والتصلية: «أما بعد، فإنّه ورد عليّ سؤال من بعض الإخوان المؤمنين، الذين يخافون على دينهم إذا حل بهم ما يكرهونه من قِبل من يبغضه من جيرانه أو غيرهم من المسلمين، […] وقال هذا السائل في سؤاله إن من السؤال لا يختص به وحده، بل ذلك موجود عند كثير من الناس يشتكون بتلك المضرة…».

وفاته:

 توفي رحمه الله عند زوال يوم السبت، في الثاني عشر ربيع الآخر، من عام تسعمائة (900هـ) حسب الكتاني في «سلوة الأنفاس». ونص المنجور في «فهرسته» على أن وفاته كانت «سنة تسع وتسعين من التاسعة» (899هـ)، وتبعه في ذلك كثيرون. ودفن خارج باب الجيسة بقرب سيدي محمد بن الحسن بفاس. فجزاه الله خيرًا على علمه النافع، أجرًا ثابتًا غير ضائع.

*         *         *         *

(1) أصل المقال نشر في جريدة الشمال، عدد 1299/ مارس 2025م.

[i])) الوافي بالوفيات (1/26).

[ii])) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص139، ط، الظفيري).

[iii])) مصادر ترجمته: درة الحجال في أسماء الرجال (3/128)، وجذوة الاقتباس (2/452)، ونيل الابتهاج (ص285)، والإكليل والتاج في تذييل كفاية المحتاج (ص119)، وسلوة الأنفاس (3/131)، والمنار المنيف في التعريف بعلماء الريف (ص78).

[iv])) ينظر: الأمر المهم الأكيد فيما يلزم الإنسان من حسن الجواب والتسديد (ق166، ضمن مجموع).

[v])) حرفت في المطبوع من «درة الحجال» إلى (يزناشن)، ورجعت إلى بعض النسخة الخطية فوجتها (بني يزناتن).

[vi])) (2/92-93).

[vii])) وهو صديقنا البحاثة الدكتور محمد علوان السّوسي.

[viii])) نشرت بتحقيق العبد الفقير كاتب هذه السطور، في مجلة الزقاق العدد 02، عام 2019م. ثم أعيد نشرها بدار الحديث الكتانية.

[ix])) حققها الدكتور مصطفى أزرياح البوفراحي، ونشرت في مجلة الذاكرة بالناظور، العدد 02، عام 2017م.

[x])) منه نسخة خطية أخرى في الخزانة الملكية بالرباط تحت رقم 13457، مفهرس تحت عنوان «جواب فقهي».

الرئيسية

صوت و صورة

نشرة الأخبار

حالة الطقس

المملكة المغربية حالة الطقس

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *