رأيك يهمنا

تابعنا

Loading...

آخر المنشورات

زوار الموقع

  • 1
  • 83
  • 44
  • 482
  • 2٬037
  • 271٬240
  • 1

سلسلة أعلام الريف (8): الفقيه النوازلي القاضي علي بن عبد السلام الخمليشي التَّرْجيسْتي (ت1365هـ/1946م) (1)

بقلم د. يونس بقَـيان

اسمه ونسبه:

هو الفقيه القاضي علي بن عبد السلام بن محمد الكبير بن علي بن أحمد بن عبد الوهاب بن يحيى بن أحمد بن عبد الرحمن بن يحيى بن يخلف بن امْحمّد.
ينحدر من دوحةٍ عريقة الجذور، ضاربةٍ في أصلها بين العلم والصلاح، من سلالة سيدي محمد غراس الخيل، المستقرّ بزاوية أنوال قرب تالسنت، من قبيلة بني جيل المجاورة لفكيك.

أما والده، فهو الفقيه العلّامة السيد عبد السلام الخمليشي، الذي تولّى التدريس بمسجد سيدي بوتميم (بوثمن) بترجيست، كما ورد في كتاب «المنهال في كفاح أبطال الشمال».

مولده ونشأته:

وُلد المترجَم عام 1300هـ، فشبَّ في ربوع العلم والنُّور. حفظ القرآن الكريم في مسقط رأسه على يد الشيخ الفقيه محمد بن محمد المزديوي الحصني التسولي، وتلقّى عنه دروسًا في أصول العقيدة. كما نهل من معين عمّه الأكبر الشيخ يحيى، أحد كبار شيوخ زاوية تيغزرت بترجيست، فشبّ قلبه معلّقًا بالعلم، لا يقرّ له قرار دون كتابٍ ومدرّسٍ ومنبر.

رحلته في طلب العلم:

ولمّا اشتدّ عوده وقوي ساعده، رحل إلى القرويين بفاس وهو ابن ثماني عشرة سنة، فارتوى من ينابيعها الزاخرة، وأخذ عن ثُلّةٍ من العلماء الأعلام، منهم: الفقيه محمد المهدي الوزاني (ت1342هـ)، والفقيه القاضي محمد بن رشيد العراقي (ت1348هـ)، والمحدّث محمد بن جعفر الكتاني (ت1345هـ)، وغيرهم من الأئمة الأكارم.

ثم عاد إلى مسقط رأسه مشرق الوجه بالعلم، فعمل إمامًا ومدرّسًا بمسجد أدوز من قبيلة بقوية، وأخذ عنه خلقٌ كثير من طلبة العلم، منهم العلّامة العربي اللوه البقّوئي (ت1408هـ) الذي ذكر في «المنهال في كفاح أبطال الشمال» أنه كان يزاول النوازل القضائية في أوائل الثلاثينات تحت إشراف شيخه العلامة سيدي علي الخمليشي. ومن تلامذته كذلك: عبد السلام البوخاري (ت1389هـ)، وعبد النبي الجرموني، وغيرهما.

معاصروه وأصدقاؤه:

كانت له صلات وطيدة بعلماء عصره في مدينة تطوان، نذكر منهم: الفقيه أحمد الرهوني (ت1373هـ)، والشاعر الوزير محمد بن عبد القادر بن موسى (ت1385هـ)، والفقيه أحمد بن الطاهر الزواقي (ت1371هـ)، والفقيه محمد بن محمد الفرطاخ (ت1370هـ)، والفقيه محمد المرير (ت1398هـ)، والقاضي الحاج علي أغنوي الزّرْقتي (ت1346هـ)، والفقيه القاضي عمر بن علي أصوفي قاضي محكمة المزمّة، ومحمد بن عبد الرحمن المعروف بـ«بكينيو».

وظائفه ومهامه:

تقلّد المترجم وظائف جليلة، فتولى خطة الإفتاء، وكان يُلقَّب برئيس المفتين، ثم ولي العدالة والقضاء.

ومن وثائق سيرته النفيسة مرسومٌ بتعيينه قاضيًا على ترجيست وبني مزدوي وما والاهما، ممهورٌ بتوقيع الأمير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، جاء فيه:

«حمدًا وصلاةً… يُعلم من هذا أنَّنا بحول الله وقوّته، وشامل يمنه ومنّته، ولَّينا ماسكه الفقيه الأجل السيد علي بن عبد السلام الخمليشي الترجيسْتي خطة القضاء على كافة بني ترجيست وبني مزدوي وما والاهما، وأن يخاطب على الرسوم ويفصل بين الخصوم بمشهور مذهب الإمام مالك أو الراجح، أو ما جرى به العمل. وعليه بتقوى الله ومراقبته في سرّه ونجواه. حرّر في 27 شعبان 1341هـ». (توقيع: محمد بن عبد الكريم الخطابي)

وقد استمر في مهمته زهاء اثنتي عشرة سنة، حتى تخلى عن خطة القضاء بالحُسيمة، وعيّن مكانه الفقيه السيد محمد مشبال، وذلك يوم السبت 13 جمادى الأولى 1353هـ. ويفهم من كلام البوعياشي في «حرب الريف التحريرية ومراحل النضال» أنّه كان قاضي القضاة بالحُسيمة في الفترة نفسها.

ثم استقرّ في مدينة تطوان، فعُيّن عضوًا بمجلس الاستئناف الشرعي بتاريخ 16 شوال 1357هـ، كما تولّى قضاء مجلس الأمناء والإفتاء بتطوان أيضًا.

وحسب أحمد البوعياشي، عاد بعد ذلك إلى الريف، فدرّس بزاوية أدوز من قبيلة إبقوين، قبل أن يتولّى خطة قاضي القضاة بالحُسيمة.

اهتمامه وتراثه العلمي:

كان رحمه الله فقيهًا مؤقتًا فلكيًا لا يُشقّ له غبار، مولعًا بكتب الأدب والسمر، ناقدًا لما يرد فيها من فقهٍ وحديثٍ ولغة.

واهتمّ اهتمامًا بالغًا بالدروس البلاغية، فكان يُدرّس مؤلفات القزويني والسكاكي، ويُعنى بتحقيق دقائق البيان والبديع.

ومن آثاره العلمية:

  • شرحٌ على «روضة الأزهار» للجادري.
  • فتاوى حرّرها خلال عمله قاضيًا، محفوظة في أرشيف المحكمة.
  • رسالة في بيان حكم صلاة الجمعة في مسجد لم يتصل بالبنيان، صنّفها ردًّا على فتوى القاضي مُحمّادي الشَّمس الوَرْياغلي (ت1370هـ) القائل ببطلان صلاة الجمعة في مسجدٍ غير متصلٍ بعمران القرية.

فهبّ العلامة الخمليشي مدافعًا بالحجة والبرهان، معتمدًا على أصول المذهب وكتبه المعتمدة، وألّف رسالة نفيسة أبان فيها عن سَعة علمٍ ورسوخ قدم، بيّن فيها أنّه لا إنكار في مسائل الخلاف، وأن القول بصحة صلاة الجمعة في المسجد المنفصل عن البنيان هو الأرجح والأقوى، إذ لا يختلف حكمها عن سائر الصلوات إلا في اشتراط الخطبتين والجماعة. فكما تصح الصلوات الخمس في المسجد البعيد، تصح الجمعة فيه أيضًا.

وخَلُص في رسالته إلى أن الشروط التي لم يثبت عليها دليلٌ لا يُعوّل عليها، بل إن صلاة الجمعة في المسجد الأبعد أعظم أجرًا لكثرة الخُطى إليه، كما جاء في الحديث الصحيح :إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم» (رواه مسلم).

وفاته:

وافته المنية في 19 ربيع الأول سنة 1365هـ، موافق 21 فبراير عام 1946م، بعد عمرٍ زاخرٍ بالعلم والعمل، والفتيا والقضاء، والنفع والإصلاح. فرحمهُ الله، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.

*       *       *       *

(1) أصل المقال نشر في جريدة الشمال، عدد 1335، نوفمبر 2025م.

الرئيسية

صوت و صورة

نشرة الأخبار

حالة الطقس

المملكة المغربية حالة الطقس

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *