رأيك يهمنا

تابعنا

Loading...

آخر المنشورات

زوار الموقع

  • 1
  • 83
  • 44
  • 482
  • 2٬037
  • 271٬240
  • 0

سلسلة أعلام الريف (7): الفقيه النوازلي القاضي شعيب الإدريسي القضاوي (1)

بقلم د. يونس بقَـيان

منارةٌ أشرقت في أفق الريف، فسمَت بين صفوف القضاة والفقهاء، خلّدها الذكر ورفعها التاريخ؛ ذلك هو الفقيه النوازلي، القاضي شعيب الإدريسي القضاوي، الذي جمع بين أصالة التكوين في القرويين، وجرأة الميدان في محاكم الناظور وسائر القبائل. فكان علمًا يهتدى به في محراب العلم، وشاهدًا صادقًا على زمانٍ اضطربت فيه الأحوال وتشابكت فيه الفتن.

اسمه ونسبته ونشأته:

شعيب بن محمادي بن علّال الإدريسي القضاوي، من الشرفاء الأدارسة القاضويـين القاطنين في قبيلة بني سعيد بالرّيف الشرقي(1).

تربى في كنف والده، فأدخله كتاب القرية (المسيد) فحفظ القرآن الكريم على عادة المغاربة في تقديم الحفظ على الدروس.

طلبه للعلم:

تدرج في تعلم مبادئ العلوم الشرعية والعربية بمساجد الرّيف، ولما اشتد عوده وآنس من نفسه القدرة على الرحلة في طلب العلم خارج منطقته رحل إلى القرويين بفاس، فوجدها تزخر بالعلم والعلماء، فاستقى من معينهم واستمدّ من معارفهم، فتوسعت مداركه وصقلت شخصيته العلمية. كما كانت فرصة للتّردد على الزاوية الكتانية التي أكرمت وفادته ونهل من معينها علمًا وتزكية، حيث أخذ عن أبرز علمائها: الشيخ العلامة المحدث محمد عبد الحي الكتاني (ت1382هـ)، حيث حضر دروسه في «الموطأ»، و«الشفا»، و«الشمائل»، و«الهمزية» بمعية رفيقه وبلديّه الفقيه القاضي عبد السلام العَوْفي، عام 1354هـ.

نتْركُ الحديثَ للمترجَم وهو يصِف دراسته في القرويين فيقول: «…ازداد عدد الطلبة في السنوات الأخيرة وبالأخص الطلبة الوافدين من الرّيف الذين قد تضاعف عددهم في الآونة الأخيرة، أما بالنسبة لنظام الجامعة، فقد ارتفعت كثير من الأصوات التي تنادي بالإصلاح، يتزعمها الشيخ عبد الحي الكتاني المعروف بمواقفه الجريئة وبتصادمه مع السلطان. وكان [الكتاني] يقدم المساعدة للطلبة وخصوصًا للمغتربين منهم إلى درجة أنه فتح لهم خزانته الضخمة […] إنه أستاذ كفء وغزير العلوم، كنا نتسابق على حضور دروسه رغم أننا لسنا مسجلين فيها […] لقد درسنا عليه أنا وعبد السلام [العَوْفي] كتاب «الموطأ»، و«الشفا»، و«الشمائل»، و«الهمزية»، وكنا نحظى لديه بحظوة خاصّة ويشملنا بعطفٍ كبير».

مهامه العلمية والدعوية والمهنية:

وعندما أنهى دراسته رجع إلى مسقط رأسه بني سعيد (دار الكَبْداني) عالمًا مثقفًا صالحًا سياسيًا محنكًا، فعيّن مدرسًا للقرآن الكريم والعلوم الشرعية في المدرسة الرسمية النظامية، وخطيبًا في مسجد قرية الدفلة. إلا أنّه لم يستمر في مهمة التدريس؛ ذلك أنّ الاحتلال الإسباني وقتئذ كان يتربّص بكل مَن يُظهر غيرةً على دينه ووطنه، ويقترب من محيطه، فيكون له بالمرصاد ويبعده عن هذا المحيط، ففصلوه عن التعليم وعيّنوه خليفة للقاضي بالناظور. ثمّ عين عدلًا في المحكمة الشّرعية بها، وقام بمهمته على أتم قيام.

ولم تمض على تدريبه -على القضاء وهو عدلٌ- إلا بعض الشّهور حتى صار يحرر الأحكام ويستحضر نصوصًا فقهية في كل مسألة، ثمّ أصبح قاضيًا في المحكمة الابتدائية بمدينة الناظور، ثمّ عين قاضيًا على قبيلتي تفرسيت وبني وليشك، ثمّ على بني سعيد، كما تولى مهمة القضاء في مدن مغربية أخرى، وأظهر في كلّ مرّة تمكّنه وخبرته الواسعة في الأحكام، وأبان عن حنكة ومهارة في التعامل مع مختلف المواضيع والقضايا.

ومن القضايا البارزة التي ترأس جلستها وكانت لها صدى على الصّعيدين الوطني والدّولي، قضية محاكمة أربعة عشر متهمًا بالبهائية بمدينة الناظور، حيث صدر حكم بالإعدام في حقّهم قبل أن يَصدر عفو عن بعضهم بعد إعلان توبتهم.

وفي عام 1357هـ/1939م، كان ضمن لفيف من القضاة رفعوا عريضة للمطالبة باستقلال القضاء، عندما كان المحتل يمارس الضغوط عليهم، ويتدخل في شؤونهم. وفي عام 1957م، عُيِّن رئيسًا لغرفة الاستئناف الشرعي لأحكام القضاء بإقليم الناظور.

والمترجَم أحد العشرة من الأعيان والفقهاء الذين ذهبوا إلى إسبانيا احتجاجًا على نفي السلطان محمد الخامس من الاحتلال الفرنسي والمطالبة بإرجاعه، وعندما عاد محمد الخامس كان المترجَم على رأس وفد من علماء الرّيف لاستقباله وتجديد البيعة له.

كان رحمه الله حادّ الذّهن، ذكي الفؤاد، قوي الذاكرة، خطيبًا مفوهًا تراكمت لديه خبرة واسعة في فهم أحوال الناس من خلال مزاولته لمهنة التدريس والقضاء، مما ساعده على تعرف أحوال الناس وهمومهم، فجعل دروسه وسيلة لمعالجة المشاكل المجتمعية في المساجد الثلاثة: -مسجد الأميرة (مسجد الحاج مصطفى)، ومسجد محمد الخامس، ومسجد الحسن الثاني-، وكان لدروسه أصداءٌ إيجابيةٌ في مختلف شرائح وأوساط المجتمع؛ لاتسامها بأسلوب البساطة والتّشويق، وخاصة دروس التفسير.

ترك مكتبة زاخرة بالكتب النفيسة التي جمعها طوال حياته، وهي تتنوع في موضوعاتها، لتشكل رصيدًا معرفيًا ورافدًا هامًا للطلبة والباحثين بمدينة الناظور، حيث حبّس منها ورثته نحو 800 عنوان على مكتبة مدرسة الإمام مالك للتعليم العتيق بالناظور، وتضم طبعات قديمة نفيسة وطبعات حجرية غاية في النفاسة والنّدرة.

من مؤلفاته:

«نظام القضاء في شمال المملكة المغربية بعد ما انفصل عن السلطة المركزية بفاس»، انتهى من تأليفه عام 1385هـ.

تناول فيه بالتفصيل مكانة القضاء في الإسلام، مبينًا حقوق القاضي العدل، ثمّ مهد الطريق لتاريخ القضاء الإسلامي مستعرضًا جوانب متعددة، مثل: فضل القضاء وتنظيمه، فضل القضاء على الولاية العامة، وناقش شروط تولية القضاء، وأشار إلى أوّل من حمل لقب قاضي القضاة في الإسلام. كما تطرق إلى جواز امتحان القضاة وتحديد رواتبهم في العهد الأول للإسلام، مؤكدًا على مرونة التشريع الإسلامي وعدم جمودِه.

ثم تناول بالتفصيل جهود الدولة العلوية الشريفة في الاهتمام بالقضاء وفق الشريعة الإسلامية، وإدخال تحسينات على النظام القضائي، وتعديل نظام قضاة الدوائر، وختم كتابه بالحديث عن استقلال القضاء في شمال المغرب.

إن سيرة الفقيه القاضي شعيب الإدريسي القضاوي شاهد ناطق على اجتماع القضاء بالوفاء للوطن. فقد أسهم في صيانة العدالة، وأثبت حضورًا علميًا راسخًا ينهل من معين القرويين ويترجم حاجات المجتمع. ولئن طويت صفحاته في كتب التراجم والسير، فإنّ أثره سيبقى شاهدًا على مرحلة خصبة من تاريخ المغرب، تستدعي التأمل والاقتداء، وتؤكد أنّ أعلام الفكر والقضاء هم نبراس الأمم في حاضرها ومستقبلها.

*        *        *        *

(1) أصل المقال نشر في جريدة الشمال، عدد 1329، أكتوبر 2025م.

الرئيسية

صوت و صورة

نشرة الأخبار

حالة الطقس

المملكة المغربية حالة الطقس

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *