بقلم د. يونس بقَـيان
من عمق بادية بطوية الشامخة -التي أنجبت الكثير من الأولياء والصالحين والعلماء المحققين؛ مِن الولي الصالح والفقيه المجاهد أبي داود مزاحم التمسماني البطوئي (ت578هـ)، إلى الفقيه القاضي الحاج حمو الشكري البطوئي (ت1383هـ)، وبين هذا وذاك- سيولد عبد الحق البطوئي الذي أنار درب الباحثين بين الأفلاك ومواقع النجوم، وأصبح اسمه عَلما على عِلم من علوم الفلك، وهو التوقيت الذي عرف بنظم أبي مقرع، لم ينازعه في صدارة هذا العلم أحد ولا حاول، بل كل مَن جاء بعده تفيأ في ظلاله، وارتوى من حياضه، وارتاع في حدائقه، فأثثوا كتبهم وأنظامهم بفوائده وفرائده؛ حيث جمع في نظمه شتات هذا العلم وحوّله إلى نظام مرتب، وأصبح ينسب إليه بـ«علم أبي مقرع».
– هو الشيخ الصالح الولي الناصح أبو محمد عبد الحق بن علي الملقب بأبي مقرع البطوئي.
– لقب بأبي مقرع -بكسر الميم- لأنه كان يحمل عصا في يده لا يفارقها، وتلازمه في حله وترحاله كما جرت عادة أهل البوادي؛ وحمل العصا في اليد سنة نبوية.
– البطوئي: نسبة إلى بطوية التي تشكل مساحة شاسعة بين وادي النكور من حوز المزمة غربا، إلى وادي ملوية شرقًا عند فج العروس (تيزي وسلي)، وعلى طول الشريط الساحلي وصولا إلى مليلية، وتضم مجموعة من القبائل، منها: بني توزين، وتمسامان وبني سعيد.
ولد البطوئي في بادية بطوية وفيها مسكنه، وبها نشأ ودرَس. كان على قيد الحياة أوائل المائة الثامنة من الهجرة النبوية. وكان كثير الترحال في مناكب الأرض، قال الجادري: «أخبرني بعض شيوخي أن المؤلف رحمه الله كان سكناه بالبادية وبها نشأ وقرأ، وكان ينتقل في [مداشرها] يجعل على عاتقه مقرعًا في سفره فلقب بذلك والله أعلم، وأصله من القلوع من بطوية على مقربة من غساسة، وكان حيّا في أول المائة الثامنة ولم يبلغني وقت وفاته».
وقد قادته رحلاته وتجوّله إلى مراكش في ظروف لا نعلم تفاصيلها، إلا أننا توصلنا من خلال البحث والتنقيب والاستنباط أنه عاش في مراكش، وفيها ألف أُرجوزته في التوقيت؛ ذلك أنه حينما تحدث عن معرفة وقت صلاة الظهر والعصر بظـل الشمس وعدد الأقدام لذلك؛ إنّما كان ذلك في مراكش، قال الجادردي: «فلكل بلد أقدام تخصّه وهذه الحروف التي ذكرها إنما جعلها أبو مقرع لإقليم مراكش وما قاربه»، وهذا يدل على أنه كان في مراكش وهو يقيس الظل بعدد الأقدام. ثم وقفت على كلام لجلال شوقي يفيد بأنه كان قائد جيش السلطان أبي الحسن المريني في مراكش سنتي 731 -732هـ.
وقد امتدت جولته إلى تلمسان بناء على ما ورد عند الرسموكي بأنه توفي ودفن في جبال طرار من أعمال تلمسان، وأضاف بأنه لما كان في زيارة لتلمسان زار قبره وهو مشهور هناك معظم مبجل، وأوضح أصله وفصيلته قائلا: «إلا أنه ليس من تلك البلدة وإنما هو من جبال جرت من الريف»، وإقليم جارت أو كرط، يحمل دلالة جغرافية لبطوية ذات الدلالة البشرية، كما يراه الدارسون.
– ترك البطوئي نظما في التوقيت يعرف بـ«الكواكب السائحات في معرفة الصالحات»، واشتهر بـ«نظم أبي مقرع»، يتكون من 168 بيتا حسب نسخة المكتبة الوطنية الفرنسية تحت رقم (7145)، وورد في كتاب السنة الأولى من التعليم الثانوي العتيق بأن عدد أبياته 181 بيتا. ولعلهم اطلعوا على نسخة فيها زيادة، والله أعلم.
شكّل نظم البطوئي في القرن الثامن الهجري منعطفا في علم التوقيت، حيث جمع فيه ناظمه الضروري من القواعد والأصول، وأورد فيها ما لابد منه من الفروع والفصول، فسارت به الركبان، وانتفع به كل مستفيد من سائر البلدان، فوجدناه مخطوطا في المكتبات العالمية؛ كالمكتبة الوطنية بفرنسا، والإسكوريال بإسبانيا، ومكتبة جامعة ليدين بهولاندا، ومكتبة جامعة برنستون بأمريكا، والمكتبة البريطانية، والقائمة طويلة من الأمم التي استفادت من علم هذا الرجل سواء بطريقة مباشرة أو بواسطة مختصراته وشروحه، ناهيك عن البلدان الإسلامية من شرقها إلى غربها.
وقد كان النظم المذكور من المقررات الدراسية عند طلبة الغرب الإسلامي وعمدة يحفظونه ويدرسونه على الشيوخ، ذكر العلامة علي بن ميمون الغماري (ت719هـ) ضمن محفوظاته فقال: «حفظت نظم الشيخ أبي مقرع»، وقال الجادري: «لما سأني إقراءه بعض الطلبة الراحلين للبادية في كل عام إذ هذا الرجز هو معتمدهم في المدائن وفي البادية [..] فهو الذي يحفظه أكثرهم وعليه يعولون وذلك مما يدل على صلاح مؤلفه وحسن نيته».
– ما لحقه من أعمال:
اهتم العلماء بنظم أبي مقرع وكتب الله له القبول والانتشار في الحواضر العلمية، فأصبح المحور في علم المواقيت، حفظا وتدريسا وشرحا واختصارا، فشرحه:
- عالم الرياضيات والفلك أبو العباس ابن البناء المراكشي العددي (ت721هـ).
- العلامة الفقيه المؤقت أبو زيد عبدالرحمن الجادري (ت818هـ).
- الفقيه الفرضي أبو الحسن علي بن محمد الشهير بالقلصادي (ت891هـ).
- العالم العلامة سيدي أحمد بن عبد الله بن يعقوب السوسي (ت1093هـ).
- العلامة أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي (ت1096هـ).
- العلامة المحقق أبو الحسن علي الأومي الصفاقسي (ت1204هـ).
واختصره العلامة الفلكي محمد بن سعيد المرغيتي السوسي في نظم سماه «المقنع في اختصار نظم أبي مقرع»، قال في شرحه «الممتع»: «يقنعك ويكفيك عن غيره من المطولات بفضل الله في هذا العلم الذي نظم فيه أبو مقرع»، ثم شرحه بشرح مطول سماه «الممتع في شرح المقنع في علم أبي مقرع»، ثم اختصره في «المطلع على مسائل المقنع»، فحلّ «المقنع» محل أصله؛ حيث قرب المرغيتي قواعد هذا العلم بأسلوب تعليمي سهل؛ استصبح سراجه، وأوضح منهاجه. فأصبح العمدة في الحفظ والتدريس في المدارس العلمية العتيقة إلى يوم الناس هذا.
ونظم على منواله أبو الحسن الدادسي (ت1094هـ) نظما سماه «بداية الطلاب في علم وقت اليوم بالحساب»، ثم شرحه في «إتحاف ذوي الألباب في شرح بداية الطلاب»، قال في ديباجته: «تشبه في الوضع قصيدة أبي * مقرع الشيخ الولي المنتخب»، وقال في شرحه: «أي تكون مماثلة لقصيدة الولي الصالح أبي مقرع».
* * * *
(1) أصل المقال نشر في جريدة الشمال، عدد 1305، ماي، 2025م.

0 تعليق