رأيك يهمنا

تابعنا

Loading...

آخر المنشورات

زوار الموقع

  • 1
  • 83
  • 44
  • 482
  • 2٬037
  • 271٬240
  • 0

سلسلة أعلام الريف 2: ترجمة الفقيه القاضي محمد الوكيلي التّغزوتي (ت1378هـ/1959م) (1)

بقلم د. يونس بقَـيان

سطع نجم صنهاجة السراير في سماء العلوم والآداب، فأزهرت ربوعها برجالٍ نذروا حياتهم للعلم والمعرفة، تاركين بصماتٍ خالدة لا تطمسها الأيام، ولا تمحوها رياح النسيان، شاهدةً على إرثٍ مجيدٍ وحكايةِ علمٍ لا تنتهي فصولها.

ومن بين هؤلاء الأفذاذ الذين سخّروا علمهم لخدمة مجتمعهم، يبرز اسم الفقيه الجليل، الحافظ لكتاب الله عز وجل، القاضي محمد بن الحاج عبد الغني الوكيلي التَّغزوتي الصنهاجي، الذي تعود أصوله إلى صنهاجة السراير بالريف. 

وُلد هذا العالم الفذ في قبيلة تَغْزوت الصَّنْهاجيَّة، حيث نشأ وترعرع في كنف بيئةٍ تقدّر العلم، فحفظ القرآن الكريم والمتون العلمية كما جرت العادة بين أقرانه. ثم شدّ الرحال إلى جامع القرويين بفاس، وفقًا لما رواه حفيده، وهناك أمضى نحو خمسٍ وعشرين سنة ينهل من معين علمائها، متبحرًا في الفقه وأصول الدين.

ثمّ لمّا أنهى دراسته، تزوّج في فاس، وأراد الاستقرار في زرهون، غير أن خليفة السّلطان استدعاه وعيّنه قاضيًا على صنهاجة الجنوبية، فتولى القضاء في تَغْزوت والقبائل المجاورة، وظلّ في منصبه حتى وافاه الأجل عام 1959م.

دُفن رحمه الله بدايةً في مسجد أولاد الوَرْطِيط بمسقط رأسه، لكن بعد ترميم المسجد لاحقًا، نُقل رفاته إلى مقبرة المدشر بإشراف المجلس العلمي المحلي للحسيمة، ليظل اسمه خالدًا في ذاكرة العلم والقضاء.

أتيح لي الاطلاع على بعض الأحكام التي خطّها القاضي الجليل في بيته العامر بقبيلة تغزوت، ذاك البيت الذي ما يزال قائمًا بشموخه إلى يوم النّاس هذا، وروحٍ نابضة بالعلم والعدل. لم يكن مسكنًا لأهله وحسب؛ بل كان صرحًا متعدد الأدوار، خادمًا للعلم والحكمة والدين.

من الناحية المعمارية، يُعد هذا البيت تحفةً فريدة تعكس الطراز الريفي الأصيل، إذ يتألف من عدة غرف صغيرة الأبواب، تحاكي بساطتها عمارة المنطقة. وتحت كل غرفة، يمتدّ بيت الضيافة، أو ما يُعرف محليًا بـ”الداموس”، ويتوسط الدار فناء واسع يضفي عليها رحابةً ودفئًا. أما السقف، فقد صُنع من خشب الأرز القوي، الذي أضفى عليه متانةً وجمالًا. وقد شاء القاضي أن يخلّد أثره في هذا المكان، فخطّ بيده اسمه وتاريخ تشييد البيت على أحد أعمدة سقف غرفته الخاصة، وكأنّه يكتب للتاريخ شهادة انتمائه لهذا الصرح.

أما على الصعيد الاجتماعي، فقد تجاوز البيت دوره ليكون مدرسةً للعلم، ومحكمةً للعدل، وملجأً للمحتاجين. كان يجمع تحت سقفه طلبة العلم، والأعيان، وأصحاب الحاجات، فينهلون من معارفه ويسترشدون بحكمته. هنا، كانت تُعقد مجالس القضاء، وهنا كانت تُلقى الدروس، وهنا أيضًا وجد من لا مأوى له ملجأً آمنًا.

لقد أخبرني حفيده أنّه ما زال يحتفظ ببعض الوثائق القضائية التي تشهد على مكانة القاضي وعلو شأنه، حيث كان مرجعًا يرجع إليه القضاة عند المعضلات والمسائل المستعصية. بل إنني اطّلعت على العديد من المراسلات التي وردته من قضاة الناحية، يلتمسون فيها رأيه الحاسم وفصله العادل في قضايا أرهقت العقول، فكان بيته منارةً تشع بالحكمة، كما ظلّ اسمه محفورًا في ذاكرة القضاء والعلم.

تحتوي مكتبته على: الطبعات القديمة من الكتب في الفقه المالكي، والطبعات الحجرية، وقسم خاص بالمخطوطات وهذا قليل؛ حيث ضاع كثير منها وبقيت بعض أوراق وكراريس شاهدة على أصولها، وقسم آخر خاص بالأحكام القضائية، وهي لفافات وقراطيس. وإليك فهرسًا ووصفًا لما تبقى منها:

  1. ظهير باستقلال القضاء وقانون موظفي العدلية الشرعية، منشور بتاريخ 1939م. وكتب على غلافه: «لقاضي محكمة أذمام».
  2. الكنّاش الأول: كناش وثائقي، يحتوي على فوائد وتدريب على كتابة الوثائق، وقضايا وأحكام بعضها يرجع للقاضي الوكيلي، وبعضها أخِذَت بقصد البحث والنّقض، وتذييل الحكم المقضي به، ومنها: «مسألة الغَلة لمن تكون في بيع الثُّنيا»، و«نسخة من ظهير شريف من السلطان عبد العزيز بن الحسن بتجديد الاحترام والتوقير للشرفاء الوكيليين بتغزوت بزاوية أولاد بن عبدالكريم»، و«تدوين أحداث الزلزال. ونزول مطر غزير أدى إلى فيضان كبير بتاريخ 1367هـ»، و«مسألة: طول الزمان في حوز العقار، هل يفيت أم لا؟»، و«رسالة إلى سيدي عبد السلام العمراني»، و«مسألة في التلوم»، و«تأييد حكم القاضي علي بن محمد بن عبد الهادي العمراني البوفراحي، قاضي على بقيوة وبني يطفت وبني بوفراح». و«مسألة: حكم أمضاه قاضي القضاة علي بن عبد السلام الخمليشي»، و«نسخة من فتوى بقصد البحث حول بيع الوكيل».
  3. الكناش الثاني: مثل الأوّل في موضوعاته، يحتوي على عدة أمور متفرقة منها: «طرة على حكم الفقيه القاضي مشبال»، و«رسالة إلى وزير العدلية العلامة محمد بن التهامي أفلال، في شأن عدم إنفاذ حكم لعدم كفاية الأدلة»، و«رسالة إلى الفقيه العلامة البحر الفهامة أبي عبدالله سيدي محمد بدر الدين» و«رسالة إلى وزير الأحباس عبد الخالق طريس» و«رسالة إلى الوزير محمد بنموسى»، و«نسخة من رسم الحكم للنظر فيه هل هو موافق للصواب أم لا؟»، و«حكم في نازلة الحيازة» و«نازلة في المقاسمة»، و«تقييد بتاريخ التحاق القاضي الخمسي بتاغزوت؛ يوم الأحد ثالث محرم الحرام عام 1373»، و«نازلة: وصيّ باع نصيبه ونصيب ولده».
  4. الكناش الثالث: عبارة عن اللائحة التي تبعث للقاضي على سبيل الإذن (دفتر الصادرات)، وفيه: «دعوى حول غراسة اجنان بالعنب والتين» و«رسالة في أهمية التوثيق وعدم التّساهل» و«شكاية امرأة بزوجها وطلب إرجاع أغراضها».
  5. الكناش الرابع: يحتوي على: «ظهير بالاحترام والتوقير لأسرة القاضي الوكيلي» و«رسالة من القاضي محمد مشبال إلى القاضي الوكيلي في شأن تزويج يتيمة» و«رسالة من القاضي محمد مشبال إلى القاضي الوكيلي في شأن تسريح امرأة» و«رسالة من مراقب تبرانت إلى القاضي الوكيلي».
  6. أحكام قضائية: لفافات طويلة جدًّا قد يصل طولها إلى متْرين، أوراقٌ ملتصقة ببعضها، مسجلة تحت قسم الجنايات، وفيها: «دعوى على شخص بقتل آخر بالسلاح» و«دعوى حمل امرأة في غياب زوجها» و«شهادة لفيف بمِلكية».
  7. رسائل وظهائر مستقلّة منها: «ظهير بوجوب التوقير والاحترام لأسرة الوكيلي»، و«رسالة إلى القاضي الوكيلي من مراقب تبرانت تهمّ جمع التبرعات من القبائل المجاورة لفلسطين»، و«رسالة من القاضي مشبال إلى القاضي الوكيلي في شأن تيسير سبل خروج امرأة إلى قبيلة أخرى».
  8. مخطوط: «الفتوحات القدوسية في شرح الآجرومية»، للعلامة أحمد بن محمدبن عجيبة الحسني. ثلاث ورقات منه فقط، كتب بخط مغربي جميل، وقد ميز الناسخ المسائل بالحبر الأحمر والأزرق النيلي.
  9. مخطوط: «شرح لنظم العربي الفاسي في الذكاة»، خمس عشرة ورقة فقط، ممزّق منها النّصف العلوي للكراسة كلها، ومعها ورقتان سليمتان من نسخة أخرى للكتاب نفسه، كُتِب بخط مغاير.
  10. تعليق بخطه على منظومة الشيخ زروق في مدح النبي ﷺ.
  11. مخطوط: «شرح فرائض مختصر خليل»، كراسة مبتورة الأوّل والأخير، تتكون من ثماني عشرة ورقة، منها أربع ورقات بخط مغاير، ولعله كتاب آخر في الفرائض.
  12. مخطوط في «الحساب»، مجهول المؤلف، انتهى منه مؤلفه عام 852هـ في زاوية ابن أبي الوفا بالقاهرة، وانتهى منه الناسخ الذي كتبه بخط مغربي عام 1308هـ.
  13. مخطوط مجهول: لعله «الشمائل المحمدية»، ثلاث عشرة ورقة، كُتب بخط مغربي، وقد ميّز الناسخ رؤوس المسائل بالحبر الأحمر.

*          *          *          *

(1) أصل المقال نشر في جريدة الشمال، عدد 1300، مارس 2025م.

الرئيسية

صوت و صورة

نشرة الأخبار

حالة الطقس

المملكة المغربية حالة الطقس

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *