الريف العالمة
نهتم بالجانب العلمي والثقافي لبلاد الرِّيف؛ بداية من ساحل بادس غربًا، إلى نهر ملوية شرقًا، مرورًا بنهر ورغة جنوبًا، وصولاً إلى المنطقة الشرقية.

الطب الشعبي بالريف الشرقي – قبيلة تمسمان – أنموذجًا

نوقشت هذه الرسالة بتاريخ 27 أكتوبر 2018 في موضوع “الطب الشعبي بالريف الشرقي – قبيلة تمسمان – أنموذجًا” ونال بها الباحث دبلوم الدراسات العليا (ماستر) من جامعة الأول – وجدة.

ملخص البحث

تقديـــــم

إن الدارس لمختلف أشكال التعبير الشعبي لبلادنا يدرك مدى توغل المعتقدات الشعبية بمختلف مظاهرها ودلالتها في البنية الذهنية الشعبية للمجتمع التي تختزن وتعكس تصورات الناس حول هذه المعتقدات.

ومن بين هذه المعتقدات والمعارف الشعبية ذات الحضور القوي في الذاكرة الشعبية والتي يلجأ إليها الأفراد لتخفيف معاناتهم وآلامهم، الطب الشعبي باختلاف ممارساته وأنواعه بالرغم من إدراكهم لفاعلية دور الطب الحديث وما تقدمه المراكز الصحية من خدمات استشفائية ناجحة.

والإشكالية التي تواجهنا في تفسير هذا السلوك تستدعي منا البحث في ماهية العلاقة التي تربط الناس بالطب الشعبي – التداوي بالأعشاب ، وتبيان دوافع هذا السلوك الإستشفائي الشعبي، بالإضافة إلى حصر الفوائد الطبية للأعشاب وفاعليتها.

إن تناول موضوع الطب الشعبي – التداوي بالأعشاب يعد من المواضيع الهامة في حقل الدراسات الثقافية ، إذ يندرج في مجال التراث الشعبي وبذلك فإنه يعبِّر عن مجموعة من معارف وتصورات فكرية شعبية، يؤمن بها أفراد المجتمع ويمارسونها والتي بدورها تعبّرِ عن نظرة معينة سائدة عاكسة لخبرات وتجارب المجتمعات نتيجة تفاعل الإنسان مع الطبيعة والثقافة، داخل المجتمع المحلي، الذي يشكل مصدرا هاما من مصادر الموروث الشعبي الذي أساسه الإنسان. وبالتالي فالاهتمام بدراسة الطب الشعبي ليس مجرد قضية علمية تستحق العناية وتستحق ما يبذل فيها من جهد فحسب، ولكنها أيضا هي قضية مجتمعية تستحق التوقف عندها ولفت النظر إليها. 

ومن هذا المنطلق جاء الاهتمام الحالي في الدراسة الراهنة بدراسة “الطب الشعبي بالريف الشرقي – التداوي بالأعشاب الطبية- أنموذجا-” كإحدى مشكلات المجتمع الحديث للتعرف عليها وتحديد ثقافة التداوي بهذا النوع العلاجي وطبيعة العوامل التي تدفع بأفراد المجتمع الريفي في الإقبال على هذا النوع من العلاج، كخطوة أولى للوصول إلى الهدف المنشود وهو بلوغ الشفاء وحفظ الصحة من المخاطر.

إشكــال البحث

وبما أن الصحة مفهوم مرتبط أشد الارتباط بالثقافة الاجتماعية والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع، ولا يمكن عزلُها عن النسق الاجتماعي والثقافي الذي توجد فيه، ولذلك حاولَتْ الإنسانية منذ القدم البحثَ في أسباب الأمراض وكيفية علاجها، ولا تزال إلى اليوم تسعى إلى ذلك سعيا إلى تحقيق قدرٍ من الرعاية الصحية. 

ومن هذا المنطلق، كانت ولا تزال نظرةُ الأفراد للصحة والمرض في واقع الحياة تختلف حسب اختلاف المجتمعات، إذ نجد في هذا المجتمع نمطين من التفكير، تفكير ثقافي محلي، وهو نظامُ تفكير المريض ضمن محيطه الذي يعيش فيه، ونظام آخر يرتكز على تفكير طبي أكاديمي حديث يعتبر الطبيب المعاصر أساسه.

وبالرغم من الاكتشافات الحديثة في المجال الطبي سواء في الأدوية الطبية أو في التوسع الشديد في الخدمات الصحية في كثير من المجتمعات، والتطور التكنولوجي الذي أحدثته العولمة لهذا الأخير (الطب)، إلا أننا أصبحنا نلاحظ وجودَ عدةَ ظواهر في مجتمعنا المحلي ربما قد تعتبر ظواهرا تقليدية إلا أنها عادت إلى مجتمعنا الآن ومن بين هذه الظواهر نجد الطب الشعبي (التداوي بالأعشاب الطبية)، الذي أثبت وجوده وأصبح بارزا في المجتمع الريفي الآن بل والبلدان العربية والإسلامية وحتى في البلدان الأجنبية، كما أنه من المعروف أن الأمراض قد تعتبر مصدر الألم وبمجرد إحساس الفرد بالألم نجده يسارع في البحث عن مُسَكِّن لهذه الآلام سواء عند الطبيب أو الراقي لفهم وتفسير هذه الظواهر المرضية. وهذا ما يتعلمه الفرد من خلال الفطرة أو التجربة، وربما قد يلجأ في تفسير هذه الظواهر المرضية إلى ما يسمى بالتداوي بالأعشاب، هذا المجال الذي نلاحظ عودته بقوة كما أسلفنا الذكر، ولجوء الناس من مختلف الأعمار يوما بعد يوم قصد الشفاء من مختلف الأمراض.

 ومما لا شك فيه، أن ممارساتِ الطب الشعبي لم تختف، بل لا تزال مستمرة في المجتمع المغربي عامة، والريفي على وجه الخصوص، وذلك بعد انتشار الأمراض المزمنة وعجز الأدوية في علاجها، “ظهرت الحاجة لوسائلَ مساعدة تكون أكثر قوة وأقل ضررا على جسم الإنسان، فبدا واضحا العودة إلى الطبيعة، والاهتمام الزائد بالنباتات والأعشاب والبحث في معالم الطبيعة لإيجاد الدواء الشافي”.

 إن التداوي بالأعشاب والنباتات الطبية، يعتبر أبو العلاج الطبيعي. لجأ إليه الإنسان منذ القدم، فقد اعتمد على ما تقدمه له الطبيعة الغنية من مواد أولية في هذا المجال، مكتشفا لآثارها ومفاعيلها، ومطورا لخصائصها وتراكيبها .

ونظرا للإقبال المتزايد من طرف أهالي قبيلة تمسمان على هذه الخدمات العلاجية جعلنا نطرح تساؤلا مهما في هذا الصدد ألا وهو: ما الذي يدفع أفراد مجتمع البحث إلى الإقبال على التداوي بالأعشاب كأحد الممارسات العلاجية في ظل وجود مؤسسات طبية حديثة؟ وهل يسهم ذلك في شفائهم؟ 

ومنه تنبثق عدة تساؤلات فرعية وهي كالتالـي:

– ما هي الأعشاب الطبية الموجودة بمنطقة تمسمان؟

– ما هي الأسباب التي تؤدي بالمواطنين إلى الإقبال على التداوي بالأعشاب؟

– هل للعلاج بالأعشاب دور في مداواة الأمراض؟

– ما أنماط الأشخاص الذين يعالجون بالأعشاب الطبية والأكثر إقبالا عليها ومستوياتهم الثقافية الاجتماعية؟

 بالاعتمـاد على التساؤلات التي طرحت فإنه يمكننا صياغة الفرضيات التالية ، والتي نسعى إلى الإجابة عنها من خلال الدراسة النظرية والميدانية:

– هناك أنواع متعددة من الأعشاب والنباتات الطبية بالمنطقة.

– يلعب الفقر والجهل دورا حاسما في إقبال المبحوثين على الطب الشعبي والتدواي بالأعشاب الطبية.

– الطب الشعبي يؤدي وظائف وأدوار صحية لا يمكن الاستغناء عنها.

– هناك علاقة وطيدة بين المعتقد الشعبي والطب الشعبي لدى أهالي القبيلة.

دوافع اختيار الموضوع

ومما لا شك فيه أن تناولنا لهذا الموضوع لم يكن جزافا أو محض صدفة، وإنما ورائه دوافع ذاتية وموضوعية أثارت في نفسنا حب الاستطلاع وإماطة اللثام عن غمار هذا التراث الذي يعتريه غموض وتحديد أبعاده الاجتماعية والثقافية، لعلنا بهذا نضيء جانبا مهما من تراث وثقافة منطقة نشئنا في أحضانها وترعرعنا فيها وظلت حضارتها مهمشة وفي طريق النسيان.

– قناعتنا بإحياء مجالات الطب الشعبي كأحد جوانب معتقداتنا الشعبية كونه يتضمن إشارات إلى حياة شعبنا بشكل أو بآخر.

 بنية البحث

 وقد اشتملت الدراسة على مقدمة وفصلين وخاتمة، وجاءت بنيتها كالآتي:

 تناولت المقدمة تقديم عاما تضمن إشارة لبعض المفاهيم التي لها علاقة بموضوع البحث من حيث نمط التفكير السائد وعلاقته بحفظ الصحة.

كما تعرضنا فيها كذلك إلى المشكلة وأسباب اختيار الموضوع وأهميته وأهدافه، تساؤلاته وفرضياته، وكذا الصعوبات التي واجهتنا أثناء إنجاز هذا البحث. بالإضافة إلى الدراسات السابقة.

 مدخــل خصص للتعريف بالمجال المدروس جغرافيا وتاريخيا، حيث أشرت فيه إلى أصل تمسية القبيلة بهذا الاسم والتركيبة الديموغرافية والخصائص الطبيعية ونمط عيش الساكنة وبعض الأنشطة المزاولة، ثم تقديم نبذة تاريخية عن القبيلة ومساهمتها في المقاومة، وختمت هذا المدخل ببعض جوانب من الثقافة المحلية.

 الفصــل الأول تناول الإطار النظري والمفاهيمي للدراسة، الذي ضم أربع مباحث، حيث تناولنا في المبحث الأول مفهوم الطب الشعبي والأعشاب الطبية والعطرية، وتطرقنا في المبحث الثاني إلى مفهوم المرض وثقافة العلاج والتداوي بالأعشاب الطبية في المجتمع الأمازيغي الريفي، أما المبحث الثالث فقد عنوناه ب ” أصناف الطب الشعبي والذي أشرنا فيه إلى (الطب الشعبي الطبيعي، والطب الشعبي الديني – السحري)، ثم تطرقنا في المبحث الرابع من هذا الفصل إلى تاريخ الطب الشعبي ونشأته.

الفصــل الثاني فقد خصص للإطار التطبيقي – الميداني، احتوى على عرض وتحليل وتفسير بيانات الدراسة ونتائجها. حيث بدأناه بتوطئة عامة، ثم اشرنا فيه إلى المقاربة المنهجية وما احتوت عليه من مناهج (المنهج التاريخي والوصفي التحليلي)، وأدوات وتقنيات (المقابلة، والملاحظة بنوعها، والإخباريون،..) وصولا إلى فضاءات الدراسة بما فيها الفضاء الزماني (7 شهر) والفضاء المكاني (قبيلة تمسمان) والفضاء البشري (أفراد عينة الدراسة). وقـــــــــد قسمت هذا الفصل إلى جزأين:

 الجـــزء الأول تضمن أسماء الأعشاب والنباتات الطبية المشهورة والشائعة بقبيلة تمسمان، وقد تم في كل فقرة تقديم لمحة عن كل عشبة وكيفية استخدامها.

 الجـــزء الثاني تم عرضا وتحليل بيانات الخاصة بالدراسة الميدانية وتفسيرها وقد قسم بدوره إلى مجموعة من الأسئلة التي وجهت إلى المعالجين بالأعشاب، والمرضى الذين يستخدمونها ويلجؤون إليها، وكذا الاستشهاد على أقوالهم من طرف المرضى الذين تمت تجربتهم لهذه الأعشاب مع الإشارة إلى ذكر مجموعة من الأمراض التي استطاعت الأعشاب علاجها مصحوبة بالخلطات التي استعملت فيها.

 ومن تم التوصل إلى النتائج والتوصيات، وأبرزنا فيه أهم الاقتراحات ثم وضعنا ملاحق فهارس فنية للموضوع.

 وأخيرا كانت الخاتمة كحصيلة للنتائج التي توصل إليها البحث والتي تبين لنا من خلال شقيها النظري والتطبيقي، أن الطب الشعبي – التدواي بالأعشاب الطبية تعد من الموروث الثقافي الذي لا يمكن الاستغناء عنه رغم التقدم التكنولوجي في مجال الطب الرسمي، بل الطب الشعبي والرسمي هما وجهان لعملة واحدة، كونها تؤثر على سلوك الفرد والجماعة لذا تعاطيهم مع مسألة المرض والصحة.

أدوات البحث وعينته

أ‌- المقابلة: كانت المقابلة أداة البحث الأساسية والرئيسية فقد استجوبنا ما يزيد عن 50 مبحوثا وذلك تبعا لخطة البحث العملية وكانت أغلب المقابلات فردية وغير مقننة، بحيث تترك نوعا من المرونة وتعطي حرية أكثر للمبحوث في التعبير عن رأيه وعن أفكاره وبالتالي تكون أكثر صدقا وجدية.

ب‌- الملاحظة: اتبعت في هذا البحث كذلك الملاحظة البسيطة والملاحظة بالمشاركة من خلال الزيارات الميدانية إلى أماكن تواجد المعالجين الشعبيين أو مستخدمي الأعشاب الطبية ومشاهدة الكثير من الحالات التي تقبل على هذا العلاج وتجمعه وتعتني به، بل في بعض الأحيان (ثلاث مرات) وأنا أذهب إلى هؤلاء المعالجين من أجل العلاج التقليدي من جهة ومن جهة أخرى رغبة مني في الوقوف على ما يقومون به بالتفاصيل.

ت‌- الإخباريون: اعتمدت على الإخباريين باعتبارهم كمصادر للمعلومات على ثقافتهم، إذ يرحب الإخباري بالتعاون مع الباحث وذلك بالنظر إلى ما يضيفه ذك على البحث من أهمية خاصة في نظر الآخرين ، ونظرا لهذه الأهمية كنت حريصا على معاملته في ضوء مكانته الاجتماعية، فعلا هذا ما لمسناه إبان القيام بالمقابلات التي تخص بحثنا هذا وذلك مع مجموعة من المعالجين بالأعشاب ومجموعة من المرضى الذين يلجؤون إلى التداوي بالأعشاب الطبية.

كانت عينة البحث منتظمة وقصدية حيث اخترت الأشخاص الذين يعالجون بهذا النوع من العلاج الشعبي (الأعشاب الطبية)، وكذا المرضى الذين يلجؤون إلى هؤلاء المعالجين الشعبيين سواء كانوا (منزليين، أو عشابين بالأسواق أو على الأرصفة، أو أصحاب المراكز والمعشبات) وذلك رغبة مني في الوقوف على حقائق تصورات المبحوثين الذي يستخدمون هذا النوع من العلاج.

نوع البحث ومنهجيته

إن التصور المنهجي الذي اعتمدته في هذه الدراسة ينطلق من طبيعة البحث وخطته، ويمكن أن نصفه بالمنهج المتكامل كلما احتجنا إلى منهج إعتمدناه ، وبالتالي فقد استوجبت طبيعة هذا اتخاذ الخطة المنهجية التالية:

أولا: المنهج التاريخي الذي وظفته لإعطاء صورة واضحة عن المراحل التطورية للتفكير الإنساني تجاه الظاهرة (موضوع الدراسة)، والذي يفترض عليها الرجوع إلى أصولها التاريخية.

ثانيا: المنهج الوصفي التحليلي للوقوف على الحالات المرضية ووصفها وصفا دقيقا وعلاقة الشخص المريض بالظروف المجتمعية والبيئية المحيطة به، والتأمل في كل جزئياتها.

ثالثا: منهج دليل المقابلة الشفوية الذي تضمن مجموعة من الأسئلة التي ساعدتنا على جمع المادة الميدانية للبحث وتحليلها تحليلا موضوعيا.

وبالتالي يدخل هذا البحث ضمن البحوث الوصفية التحليلية التي تتطلب منا الإلمام بما نحتاجه من بيانات والتي حصلنا عليها عن طريقة الرواية الشفوية وذلك باستعمال دليل المقابلة والملاحظة ومساءلة الإخباريين رغبة منا للوصول إلى الهدف المنشود وهو معرفة الدوافع التي تدفع أفراد العينة إلى الإقبال على هذه الممارسة العلاجية ومدى فاعلية هذا النوع العلاجي الشعبي في بلوغ الشفاء. 

ومن الصعوبات التي اعترضتنا أثناء إنجاز هذه الدراسة الميدانية نجملها فيما يلي:

– قلة المراجع التي تناولت موضوع الطب الشعبي بالمجتمع المغربي عامة والريفي على وجه الخصوص اللهم إذا ما اسثنينا بعض بحوث الطلبة المقدمة لنيل الإجازة وبعض الشذرات المتناثرة في الأطاريح الجامعية المنجزة حول الريف.

– صعوبة الاتصال بالمعالجين الأمر الذي جعلنا نستعمل وسيلة للزيارة أو القرين.

– تثاقل بعض المستجوبين في الإجابة على أسئلة المقابلة مما أثر سلبا على مستوى تقدم هذه الدراسة.

– صعوبة تحديد التسمية الجامعة للأعشاب والنباتات الطبية نتيجة تعدد مصادرها، حيث عثرنا على تسميات عدة للعشب الواحد.

النتـــــــــائج العــامـــة للدراســــة

بناء على ما تم التوصل إليه في هذه الدراسة، فإنه يمكن تلخيص أهم النتائج فيما يلـي:

1- تبين لنا أن الإقبال عن الطب الشعبي- التداوي بالأعشاب الطبية ليس مقتصرا على فئة عمرية معينة فقط، وإنما الجميع يلجؤون إلى هذا النوع العلاجي عندما يشتد بهم الألم، وقد يعود ذلك إلى أن أفراد المجتمع الريفي ما زالوا يحافظون على بعض عاداتهم وتقاليدهم وهي التداوي بالنباتات والأعشاب الطبية لأنها هي القريبة منهم.

2- تبين لنا أن غالبية المقبلين على التداوي بالأعشاب الطبية هم من فئة المتزوجين ويعود سببه إلى كون أن المتزوجين في مواجهة دائمة مع متطلبات الحياة الأسرية وتربية الأطفال مما يخلق لديه تجربة تساهم في بناء وإبداع طرق علاجية لمشكلة المرض والصحة.

3- يظهر لنا أن المقبلين على التداوي بالأعشاب الطبية ذوو مستوى تعليمي متفاوت النسب المئوية سواء أميّين أو جامعيّين أو من مستوى ابتدائي، فاستعمال الأعشاب في علاج العلل هي ظاهرة عامة وليست مقتصرة على فئة الأميين فحسب، بل حتى أولئك الذين لهم نصيب من العلم والمعرفة على اعتبار أن أسباب المرض بالنسبة لهم ناتجة من البيئة التي يعيشون بها أحيانا ويعتقدون أنها غيبية أحيانا أخرى.

4- بالرغم من توفر العلاج الحديث والأدوية الكيميائية فالمريض يرتاح من الأذى الذي أصابه لمجرد استعمال بعض خلطات الأعشاب والمراهم والبخور..أو كما أنه لمجرد زيارة المعالج الشعبي يحس بالراحة النفسية والاطمئنان فتتوقف معاناته مع الألم، كون هذا النوع من العلاج لا يبتعد كثيرا عن المعتقد الديني، وبالتالي هذه الخدمة لا تبتعد عن المقدسات والطقوس التي عاش وترعرع فيها الإنسان، إلى جانب كونها لا تمارس في محيط ليس بالغريب عن البيئة المحلية (داخل المحيط العائلي أو الاجتماعي ، القبيلة..)، إذن هي تؤدي وظائف مختلفة في نفس الوقت، منها النفسية، والاقتصادية، والأخلاقية، والثقافية.

5- إن إقبال أفراد المجتمع الريفي – التمسماني على التداوي بالنباتات والأعشاب الطبية ساهمت فيه عدة عوامل نذكر منها:

Ø أسباب دينيــــة: حيث ذكر إخلاص النية لله عز وجل عامل مرتبط بالعقيدة الدينية في بلوغ الشفاء، ثم وجود أسماء الأعشاب في القرآن الكريم دفع بالمواطنين إلى الاعتماد عليها كونها إذ لم تنفع لما احتواها القرآن الكريم (التين، الزيتون، الريحان، البصل، الثوم…).

Ø أسباب اجتماعيــة: تتجلى في كون أن الأعشاب الطبية ساهمت في شفاء مجموعة من الحالات المرضية انطلاقا من وجهة نظرهم (حالات العقم كثيرة جدا كما جاء تصريح المختاري صاحب المعشبة بتمسمان التي وصل عددها إلى 133حالة).

Ø أسبـــاب اقتصاديـــة: وتكمن في الفقر وضعف الدخل الفردي في مقابل غلاء الأدوية التي تباع في الصيدليات..

Ø أسبــاب ثقافيـــــة: حيث تلعب الأصول الثقافية دورا هاما في تحديد البنية الحالية للمجتمع الريفي القائمة على أساس الحفاظ على العادات والتقاليد حيث يعتبرون العلاج بالأعشاب والنباتات الطبية موروث ثقافي من الأجداد لا بد من الحفاظ عليه.

6- إن التداوي بالأعشاب والنباتات الطبية مهما كانت دوافعها وطرق تلقيها تمثل ذلك الموروث الثقافي والفكري والاجتماعي الذي تختزنه الذاكرة الشعبية يتوارثه أفراد المجتمع حفاظا على مقدسية المعتقد وضمانا لصيرورة حكمة وسر السلف.

7- إن اعتماد التداوي بالأعشاب والنباتات الطبية كإحدى الممارسات العلاجية الشعبية بمنطقة تمسمان لم يخرج عن دائرة التجربة المتوارثة والمستعملة في البيوت.

8- نجاح طب الأعشاب في علاج مجموعة من الأمراض والتخلص منها، وبالتالي فللأعشاب الطبية فاعلية في شفاء المرضى حسب ما تأكدنا منها من خلال مقابلاتنا للمبحوثين.

9- إن شعور المريض بالراحة النفسية والإحساس بالاطمئنان جعله يشفي من مرضه بيسر.

10- إن لجوء الناس من مختلف المستويات الاجتماعية والتعليمية إلى التداوي بالأعشاب الطبية، بالرغم ما يوفره الطب الحديث من علاجات وتقنيات متطورة للشفاء، يترجم مدى تمسك أهل المنطقة بتراثهم الأصيل وتقاليد الأجداد.

11- إن ارتباط أفراد المجتمع الريفي بالأرض واعتمادها كمصدر أساسي للعيش بنباتها وعشبها وخيراتها الطبيعية، جعلته يشفي من علله وألآمه. وبالتالي تمـــت الإجابة على التساؤلات الفرعية وهذا يعني الإجابة عن التساؤل الرئيسي. 

توصــيــــات الــدراســــــــة

في ظل النتائج التي توصلت إليها الدراسة الميدانيــة، وضعنا مجموعــة من التوصيات والمقترحــات وهـــي كالتـــالي:

ü دعم ومساندة القرارات والإجراءات التي تكفل الشرعية القانونية للطب الشعبي وممارسته.

ü ضرورة إنشاء قاموس يجمع كل أسماء الأمراض والنباتات والأعشاب الطبية الشعبية، حتى يتسنى فهمها من طرف الجميع وبالطبع تبسط التعامل معها لرفع الوعي الجمعي لتفادي الخطورة والمضاعفات الصحية التي تنجز عن الفهم السيئ للحالة المرضية.

ü ضرورة إنشاء مركز أو مراكز بحث في التراث الشعبي (المادي واللامادي) بالإقليم، لتسهل وضع البرامج الصحية وتقريب الخدمات الشعبية المناسبة.

ü إعداد برامج ومشاريع تستهدف زيادة كفاءة المعالجين الشعبين وتمكنهم من الاستفادة من التقدم الذي لحق بمنظومة الطب الرسمي.

ü العمل على التعاون والتنسيق بين القطاع الصحي الرسمي والغير الرسمي (الطب الشعبي) لضمان وتقديم توعية ذات جودة وفاعلية تخدم أفراد المجتمع المحلي.

إن المغرب عامة والريف خاصة يزخر بتراث استشفائي غني ومتنوع سواء ما تعلق منه بالتداوي بالأعشاب والنباتات الطبية أو الممارسات العلاجية الأخرى التي برهنت على فعالياتها في احتواء وعلاج حالات مرضية عدة العضوية منها والنفسية يجب الاستفادة منه إلى أقصى حد. ولعل أنجع السبل لتحقيق هذه الغاية تكمن في عقد ملتقيات علمية دورية تجمع كل المهتمين بالموضوع من ممارسي العلاج الشعبي ومختصين وأطباء وباحثين ..قصد تبادل الآراء والتجارب وتشكيل فرق للبحث العلمي في الميدان.

ونشير إلى أن هذه الدراسة يمكن أن تكون مرحلة تمهيدية لموضوعات بحث مستقبلية في مجال الطب الشعبي والتمثلات الفكرية لأنواع هذا العلاجات الشعبية الراسخة في الذاكرة الشعبية ولا أدعي القيام بعمل يرقى إلى دراسة شاملة حقيقية، وإنما حاولت في هذا البحث المتواضع بقدر المستطاع أن أجمع هذا النمط الثقافي، وأدرسه حسب إمكانيات وظروف وملابسات المنطقة، فإن قدر لي التوفيق، فذلك من فضل الله وإلا فالكمال لله وحده.

بقلم الطالب : سليم احميدوش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.